العيني
244
عمدة القاري
شابا قويا فبادرت الناس فبدرتهم ) . وفي رواية جويرية : ( كنت أول الناس ولج على إثره ) . وفي رواية ابن عون : ( فرقيت الدرجة فدخلت البيت ) ، وفي رواية مجاهد التي مضت في : باب قول الله تعالى : * ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) * ( البقرة : 521 ) . في أوائل كتاب الصلاة عن ابن عمر وأجد بلالاً قائما بين الناس ، وذكر الأزرقي في كتاب مكة أن خالد بن الوليد ، رضي الله تعالى عنه ، كان على الباب يذب عنه الناس ، وكأنه جاء بعدما دخل النبي صلى الله عليه وسلم وأغلق . قوله : ( فلقيت بلالاً فسألته ) . وفي رواية مالك عن نافع التي مضت في : باب الصلاة بين السواري ، في أوائل كتاب الصلاة ، فسألت بلالاً ، رضي الله تعالى عنه ، حين خرج ما صنع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، الحديث . وفي رواية جويرية ويونس وجمهور أصحاب نافع فسألت بلالاً أين صلى ؟ اختصروا أول السؤال ، وثبت في رواية سالم المذكور في حديث الباب حيث قال : هل صلى فيه ؟ قال : نعم . وكذا في رواية مجاهد وابن أبي مليكة عن ابن عمر ، فقلت : أصلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في الكعبة ؟ قال : نعم ، فظهر أنه استثبت أولاً : هل صلى أم لا ؟ ثم سأل عن موضع صلاته من البيت ، ووقع في رواية يونس عن ابن شهاب عند مسلم : فأخبرني بلال أو عثمان بن طلحة ، على الشك ، والمحفوظ أنه سأل بلالاً ، كما في رواية الجمهور ، ووقع عند أبي عوانة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن ابن عمر : أنه سأل بلالاً وأسامة بن زيد حين خرجا : أين صلى النبي ، صلى الله عليه وسلم فيه ؟ فقالا : على جهته ، وكذا أخرجه البزار نحوه ، وفي رواية أحمد والطبراني من طريق أبي الشعثاء عن ابن عمر ، فقال : أخبرني أسامة أنه صلى فيه ههنا . وفي رواية مسلم والطبراني من وجه آخر ( فقلت : أين صلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ؟ ) فقال : فإن كان محفوظا حمل على أنه ابتدأ بلالاً بالسؤال ، كما تقدم تفصيله ، ثم أراد زيادة الاستثباب في مكان الصلاة ، فسأل عثمان أيضا وأسامة . فإن قلت : كيف هذا وقد أخرج مسلم من حديث ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، أن أسامة بن زيد أخبره أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لم يصل فيه ، ولكنه كبَّر في نواحيه ؟ قلت : وجه الجمع بينهما أن أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك على غيره ، وحيث نفاها أراد ما في علمه لكونه لم يرَ النبي ، صلى الله عليه وسلم ، حين صلى ، وجواب آخر أنه يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة ، فلم يشهد صلاته ، وبه أجاب المحب الطبري ، ويدل عليه ما رواه ابن المنذر من حديث أسامة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، رأى صورا في الكعبة ، فكنت آتيه بماء في الدلو يضرب به الصور ، فقد أخبر أسامة أنه كان يخرج لنقل الماء ، وكان ذلك كله يوم الفتح ، وقال ابن حبان الأشبه عندي أن يحمل الخبران على دخولين متغايرين : أحدهما يوم الفتح وصلى فيه ، والآخر : في حجة الوداع ولم يصلِّ فيه ) من غير أن يكون بينهما تضاد ، ومما يرجح به إثبات صلاته ، صلى الله عليه وسلم ، في البيت على من نفاها كثرة الرواة لها ، فالذين أثبتوها بلال وعمر بن الخطاب وعثمان بن طلحة وشيبة بن عثمان ، والذين نفوها أسامة والفضل بن عباس وعبد الله بن العباس ، وأما الفضل فليس في الصحيح أنه دخل معهم ، وأما ابن عباس فإنه أخبر عن أخيه الفضل ولم يدخل مع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، البيت . ومن الأجوبة أن القاعدة تقديم المثبت على النافي . قوله : ( بين العمودين اليمانيين ) ، وفي رواية جويرية : ( بين العمودين المقدمين ) ، وفي رواية مالك عن نافع : ( جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره ) . ووقع في رواية فليح الآتية في المغازي : ( بين ذينك العمودين المقدمين ) ، وكان البيت على ستة أعمدة ، شطرين صلى بين العمودين من الشطر المقدم وجعل باب البيت خلف ظهره ، وقال في آخر روايته : ( وعند المكان الذي صلى فيه مرمرة حمراء ) ، وكل هذا إخبار عما كان عليه البيت قبل أن يهدم ، ويبنى في زمن ابن الزبير ، رضي الله تعالى عنهما ، قوله : ( اليمانيين ) ، بتخفيف الياء لأنهم جعلوا الألف بدل إحدى ياءي النسبة ، وجوز سيبويه التشديد . ذكر ما يستفاد منه فيه : مشروعية الدخول البيت بدليل دخوله صلى الله عليه وسلم ومن معه ، ومشروعية الصلاة فيه ، وفي ( شرح المهذب ) : يستحب دخول الكعبة والصلاة فيها ، وأقل ما يصلى ركعتين ، زاد في المناسك : جافيا ، وروى البيهقي عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفورا له ) . وفي سنده عبد الله بن المؤمل وفيه مقال ، ورواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) وجعله من قول مجاهد ، وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج ، ورده بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما دخله عام الفتح ولم يكن حينئذ محرما ، يستحب للداخل أن لا يرفع بصره إلى السقف